الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

190

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هود . [ 181 - 183 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 181 إلى 183 ] أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ( 181 ) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ( 182 ) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 183 ) استئناف من كلامه انتقل به من غرض الدعوة الأصلية بقوله : أَ لا تَتَّقُونَ [ الشعراء : 177 ] إلى آخره إلى الدعوة التفصيلية بوضع قوانين المعاملة بينهم ، فقد كانوا مع شركهم باللّه يطفّفون المكيال والميزان ويبخسون أشياء الناس إذا ابتاعوها منهم ، ويفسدون في الأرض . فأما تطفيف الكيل والميزان فظلم وأكل مال بالباطل ، ولما كان تجارهم قد تمالئوا عليه اضطر الناس إلى التبايع بالتطفيف . و أَوْفُوا أمر بالإيفاء ، أي جعل الشيء وافيا ، أي تاما ، أي اجعلوا الكيل غير ناقص . والمخسر : فاعل الخسارة لغيره ، أي المنقص ، فمعنى وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ لا تكونوا من المطفّفين . وصوغ مِنَ الْمُخْسِرِينَ أبلغ من : لا تكونوا مخسرين . لأنه يدل على الأمر بالتبرّؤ من أهل هذا الصنيع ، كما تقدم آنفا في عدة آيات منها قوله : لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [ الشعراء : 116 ] في قصة نوح . والقسطاس : بضم القاف وبكسرها من أسماء العدل ، ومن أسماء الميزان ، وتقدم في قوله تعالى : وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا في سورة الإسراء [ 35 ] ، حمل على المعنيين هنا كما هنالك وإن كان الوصف ب الْمُسْتَقِيمِ يرجح أن المقصود به الميزان ، وتقدم تفصيل ما يرجع إليه هذا التشريع في قصته في الأعراف . وقرأ الجمهور : بِالْقِسْطاسِ بضم القاف . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بكسر القاف . وبخس أشياء الناس : غبن منافعها وذمّها بغير ما فيها ليضطروهم إلى بيعها بغبن . وأما الفساد فيقع على جميع المعاملات الضارة . والبخس : النقص والذم . وتقدم في قوله : وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً في سورة البقرة [ 282 ] ونظيره في سورة الأعراف . وقد تقدم نظير بقية الآية في سورة هود . ومن بخس الأشياء أن يقولوا للذي يعرض سلعة سليمة للبيع : إن سلعتك رديئة ، ليصرف عنها الراغبين فيشتريها برخص .